الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

135

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

زمانيهما فيستحيل اجتماعهما وأورد على الأول بالمنع من عدم إرادة الإيمان من الكافر وما ذكر لإثباته من الوجهين مردود أما الوجه الأول فبأن العلم تابع للمعلوم فلا يؤثر في وجوده ولا عدمه فهو على إمكانه وما يتراءى من تفريع المحال عليه نظرا إلى لزوم انقلاب علمه تعالى جهلا إنما نشأ من فرض تعلق العلم به كما أنه يستحيل وقوع أحد النقيضين أو الضدين على فرض وقوع نقيضه أو ضده الآخر وذلك لا يقضي باستحالة ذلك الشيء ضرورة أن استحالة وقوع الشيء على فرض لا يقضي باستحالته مطلقا كذا أجاب عنه العلامة رحمه الله في النهاية ويشكل بأن تابعية العلم للمعلوم إنما يقضي بعدم استناد وقوع المعلوم إلى العلم بل لما كان المعلوم حاصلا في وقته بحسب الواقع نظرا إلى حصول أسبابه تعلق العلم به على ما هو عليه وذلك مما لا ربط له بالمقام إذ المقصود إثبات استحالة وقوع خلاف المعلوم نظرا إلى تفريع المحال عليه وهو لا يستدعي استناد وجود المعلوم إلى العلم فإن قلت على هذا يكون استحالة وقوع خلاف المعلوم مستندا إلى العلم ومن المعلوم أيضا خلافه قلت إن أردت استناده إليه بحسب الواقع فممنوع بل استحالة وقوعه في الواقع إنما هو بالنظر إلى انتفاء أسبابه والعلم به تابع لذلك وإن أردت استناده إليه بحسب علمنا فلا مانع منه بل لا مجال لإنكاره لوضوح المقدمتين وتفرع العلم بالنتيجة عليهما إلا أنه لا يلزم من ذلك سلب القدرة عن المكلف فإنّ السبب الباعث على استحالة صدور الفعل منه عدم إقدامه عليه وعدم مشية للفعل مع اجتماع أسباب القدرة ومن البين أن المستحيل بالاختيار لا ينافي القدرة والاختيار واستحالة وقوع المشية منه لعدم قيام الداعي إليها لا تبقى القدرة على الفعل إذ ليس مفاد القدرة إلا كون الفاعل بحيث لو شاء فعل ولو شاء ترك ومن البين صدق الشرطية مع كذب المقدمتين ومن هنا نقول بقدرته تعالى على فعل القبيح وإن استحال منه وقوعه منه نظرا إلى استحالة إرادته له ومما قررنا ظهر فساد تقرير الاستدلال من جهة إثبات اضطراره إلى الكفر نظرا إلى ما ذكر فلو أراد منه الإيمان لزم إرادة المحال وما ذكروه في الجواب إنما ينفع في دفع هذا التقرير دون الوجه المذكور وقد يقرر الاحتجاج بالوجه الأخير ويجعل التالي حينئذ لزوم التكليف بالمحال لو أراد منه الفعل وهو محال وقد أجاب عنه بعضهم بالمنع من عدم جواز التكليف بهذا المحال نظرا إلى تجويزهم ذلك وأنت خبير بفساد التقرير المذكور ووهنه جدا لما عرفت ولأن من البين أن الأشاعرة يجوزون التكليف بالمحال بل يحكمون بوقوعه في أمثال ذلك ضرورة وقوع التكاليف المذكورة مضافا إلى ما فيه من التهافت حيث إن المأخوذ في هذا الاحتجاج أولا هو ثبوت التكليف بالإيمان ودعوى الإجماع عليه فكيف يجعل التالي لزوم التكليف بالمحال ويحكم ببطلانه من جهة استحالة صدوره والحاصل أن المقصود في المقام أن وقوع التكليف به مع استحالة صدوره منه إما بكونه تكليفا بالمحال على ما زعموه وجوزوه أو لعدم استحالته قضاء بعدم القدرة عليه نظرا إلى أن المحال بالاختيار لا ينافي الاختيار إنما هو مع عدم إرادة صدور الفعل من المكلف نظرا إلى استحالة إرادة الحكيم واقعا صدور المحال ولو بالغير بل لو ذكر استحالة إرادته واقعا لما يعلم انتفاؤه وعدم حصوله إذ لا أقل في إرادة الشيء من احتمال حصوله كفي في المقام وقد عرفت أن ما ذكره في الجواب لا يدفع شيئا من ذلك ثم إن ما ذكر من كون المحال المذكور حاصلا من فرض العلم إلى آخر ما ذكر غير متجه على إطلاقه فإن فرض الشيء قد يقع وقوع المفروض ضرورة وقوعه وقد يكون فرضا غير واقع أو غير لازم وعدم قضاء استحالة الشيء على فرض استحالته في الواقع إنما هو في الثاني دون الأول كما هو الحال في المقام ضرورة وجود الفرض المذكور وضرورة وقوعه فكيف يمكن معه الحكم بعدم استحالة خلافه فالأولى في الجواب عنه منع المقدمة الثانية وهو استحالة تعلق الإرادة بالمحال على سبيل الكلية إذ لا مانع من تعلق الإرادة التكليفية بالمستحيل بالاختيار فكما أن استحالة الاختيار لا يمنع من كونه اختياريّا متعلقا للقدرة فلا مانع أيضا من تعلق الإرادة التكليفية بإيقاعه وقد يناقش فيه بأن المانع من تعلق الإرادة بالمحال هو عدم إمكان وقوعه في الخارج ولو بتوسط الأسباب الباعثة عليه وذلك مما لا يفرق الحال بين كونه مستحيلا بالاختيار أو الاضطرار وفيه تأمّل وأما الوجه الثاني فبأن الداعي من فعل العبد ليس بخلقه تعالى ذلك في العبد حتى يستدعي خلقه له إرادة لازمه أعني الكفر ويرد عليه أن خلق الداعي وإن كان من فعل العبد والعبد هو السبب فيه لكن العبد من فعل الله تعالى وسبب عنه فغاية الأمر أن يكون خلق السبب البعيد منه تعالى وهو كاف في إتمام المقصود إذ لا فرق فيما ذكر بين السبب القريب والبعيد ولم يؤخذ في الاحتجاج خصوص السبب القريب حتى يجاب بما ذكر وقد يجاب أيضا بمنع كون إرادة السبب إرادة لمسببه مطلقا إذ قد يفرق في ذلك بين السبب الاضطراري والاختياري فإن إرادة الأول إرادة لمسببه وأما الثاني فيمنع فيه نظرا إلى كون الفعل موكولا إلى اختيار الآخر وإرادته وهو كما ترى ويمكن الجواب بمنع المقدمة الأخيرة فإن إرادة الكفر نظرا إلى إرادة سببه البعيد إرادة تبعية تكوينية حيث إنها تابعة لإرادة إيجاد ذاته التكوينية وإرادة الإيمان منه إرادة تكليفية أصلية نظرا إلى ثبوت قدرته على الفعل واختياره فيه لما عرفت من كون سببيته للكفر اختيارية وإن كان ثبوت الكفر لازما بعد اختياره فلا مانع إذن من تعلق الإرادتين المفروضتين بالضدين نظرا إلى اختلافهما بما ذكر وفيه أيضا تأمل لا يخفى وعلى الثاني أن الإرادة المشية في المثال ليست إرادة خالصة وقد يحصل في الإنسان إرادة مشوبة بعوارض فلا يتعقبها الفعل كذا أجاب العلامة رحمه الله في النهاية وفيه أنا نرى صحة ذلك مع فرض كون إرادته في كمال الخلوص تقول أريد الإحسان من السلطان ولا أطلب منه من دون تناقض أصلا فالمانع هناك إنما يمنع من إظهار الإرادة لا من نفسها لتكون غير خالصة وقد أجاب عنه في التهذيب بأن نفي الأمر معناه نفي الإلزام وإن كان مريدا لإيقاعه الفعل من دون أمره وتوضيحه أن الإرادة أعم من الطلب المقصود في المقام فإن المراد به إرادة الفعل من المطلوب منه على جهة إلزامه به والإرادة قد تخلو عن ذلك فنفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ولذا يصح إثبات الأعم ونفي الأخص كما في المثال المفروض وقد ظهر مما قررنا أن المقصود في المقام اتحاد الطلب مع الإرادة من حيث حصولها به لاتحادهما بحسب المفهوم كما قد يتراءى من ظاهر كلامهم وأنت خبير بأن الإلزام فعل من الأفعال مغاير